فنون

البردّوني متنبي العصر

* فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَـاكِن تَعْمَى ا الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ * [الحج: 46

الشاعر اليمني " البردّوني"
الشاعر اليمني ” البردّوني”

غير أبناء عصره وزمانه ،فقد حظي بقدرة إلهية خارقة تعينه على سبر أغوار الحياة ،والتنبؤ بما سوف يحدث ؛وهو ما يسمى بالكرامات . ولعل كل ذلك يرجع إلى معاناته منذ نعومة أظافره ،حيث حرم من أعظم شيء قد يحرم منه الإنسان ؛وهي نعمة البصر ،فقد أصيب بالجدري وهو في السادسة من عمره ،مما أدى إلى فقدان بصره .لعلكم عرفتم عمن اتحدث ؛أجل ..إنه الشاعر الرائي ؛متنبي عصره ؛الشاعر اليمني ” البردّوني”بتشديد الدال كما يحب دوما أن يقال له .

فتعالوا لنعرف من هو البردّوني الشاعر ،المؤرخ ،الأديب.

.
هو عبدالله صالح حسن الشحف البردّوني ،ولد عام 1929م في قرية “بردّون” محافظة ذمار /اليمن . أصيب بالجدري وهو في السادسة من عمره ،مما أدى إلى فقدان بصره نهائيا . ، درس في مدارس ذمار لمدة عشر سنوات، ثم انتقل إلى صنعاء حيث أكمل دراسته في دار العلوم وتخرج فيها عام 1953. وقد حفظ القرآن الكريم ،ودرس العلوم الشرعية والمحاماة ؛حيث عمل محام لكثير من النساء اللاتي أردن الطلاق فسمي “وكيل المطلقات”.كما عُين أستاذا للآداب العربية في المدرسة ذاتها.

وعمل أيضا مسؤولا عن البرامج في الإذاعة اليمنية.إذا هو شاعر يمني معاصر، ناقد أدبي،مؤرخ، ومدرس يمني تناولت مؤلفاته تاريخ الشعر القديم، والحديث في اليمن، ولم يكن بمعزل عن السياسة حيث غلب طابع السياسه العديد من قصائده ؛فقد كان اليمن يمر بظروف سياسية قاسية تحت الحكم الإمامي شمالا ،والإحتلال البريطاني جنوبا.كان مؤيدا للحكم الجمهوري على الملكية ،وكتب العديد من القصائد التي تناكف الحكم الإمامي آنذاك .كماغلب على قصائده الرومانسية القومية ، والميل إلى السخرية، والرثاء ،وكان أسلوب ونمطية شعره تميل إلى الحداثة عكس الشعراء القبليين في اليمن .ولقد عانا شاعرنا الأمرين بسبب طبيعته الثائرة ضد الظلم والجور، أولها عزله عن منصبه من الإذاعه ،يليها الزج به في غياهب السجون جراء قصائده المحملة بالعبارات الثورية التي تسعى للخلاص من الإستبداد ليس في بلاده اليمن وحسب ؛بل في العالم أجمع.1982 أصدرت الأمم المتحدة عملة فضية عليها صورته كمعاق تجاوزالعجز. ولأن البردوني لم يكن قادرا على الرؤية ؛فقد اتصف بالجرأة في التعبير عما يدور بداخله ،ولم تعرف المجاملة إليه سبيلا ،حيث أنه لم يكن بمقدوره رؤية الإمتعاظ في وجوه الآخرين جراء تلك الصراحة التي يلقيها على مسامعهم .

ولم يؤثر العمى على حياته _برغم لمحة الحزن التي نجدها تظهر جلية في أشعاره _فقد امتلك فراسة وحدس قويان ،ولقد استطاع التنبؤ بالكثير من الأحداث التي حصلت بعد موته فيجعلك تقف مشدوها مما تقرأ وكأنه هو الذي عاشها،والأغرب أنه قد يذكر أسماء شهور ومدن لتتحقق نبؤاته بحذافيرها . وقد كتب العديد من الأشعار والمؤلفات التي نشرت والتي لم يتم نشرها ،ونال العديد من الجوائز ،وترجمت أعماله إلى عدة لغات :
أعماله الشعرية:
من أرض بلقيس
في طريق الفجر
مدينة الغد
لعيني أم بلقيس
السفر إلى الأيام الخضراء
وجوه دخانية في مرايا الليل
زمان بلا نوعية
ترجمة رملية.. لأعراس الغبار
كائنات الشوق الآخر
رواغ المصابيح
جواب العصور
رجعة الحكيم بن زائد
الأعمال الفكرية والأدبي:
رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه.
قضايا يمنية.
فنون الأدب الشعبي في اليمن.
اليمن الجمهوري.
الثقافة الشعبية تجارب وأقاويل يمنية.
الثقافة والثورة في اليمن.
من أول قصيدة إلى آخر طلقة..دراسة في شعر الزبيري وحياته
أشتات.
أعمال لم تطبع:
رحلة ابن من شاب قرناها (ديوان شعر)
العشق على مرافئ القمر (ديوان شعر)
العم ميمون (روايـــة)
الجمهورية اليمنية (كتاب)
الجديد والمتجدد في النقد الأدبي (دراسة)

عديد جوائز نالها منها:
جائزة أبي تمام بالموصل عام 1971 – 1391هـ.
جائزة شوقي بالقاهرة عام 1981 – 1401هـ.
جائزة الأمم المتحدة »اليونسكو« والتي أصدرت عملة فضية عليها صورته في عام 1982م – 1402هـ كمعاق تجاوز العجز.
جائزة مهرجان جرش الرابع بالأردن عام 1984م – 1404هـ.
جائزة سلطان العويس بالإمارات 1993م – 1414هـ.
كتبت عنه العديد من الدراسات والأعمال الأكاديمية منها:
البردوني شاعراً وكاتباً لطه أحمد إسماعيل رسالة دكتوراة القاهرة.
الصورة في شعر عبدالله البردوني د. وليد مشوح سوريا.
شعر البردوني، محمد أحمد القضاة رسالة دكتوراة – الاردن.

قصائد من شعر البردوني ناجح جميل العراقي.

ترجمات عنه منها:
عشرون قصيدة مترجمة إلى الإنجليزية في جامعة ديانا في أمريكا.
الثقافة الشعبية مترجمة إلى الانجليزية.
ديوان مدينة الغد مترجم إلى الفرنسية.
اليمن الجمهوري مترجم إلى الفرنسية.
كتاب بعنوان الخاص والمشترك في ثقافة الجزيرة والخليج مجموعة محاضرات بالعربية لطلاب الجزيرة والخليج ترجم إلى الفرنسية.
ولعل أبرز قصائده تلك التي ألقاها في مهرجان أبي تمام في الموصل ،حين وصل ولم يكن معروفا آنذاك ؛وبسبب إصابته بالعمى، وبلده التي قدم منها؛ لم يعره الشعراء اهتماما ؛إلا انه فاجئهم بقصيدته التي تحدت بلاغتهم وفصاحتهم وسنكتفي بذكر بعض الأبيات:

مـا أصدق السيف! إن لم ينضه الكذب

وأكـذب السيف إن لم يصدق الغضب

وأقـبح الـنصر… نصر الأقوياء بلا

فهم.. سوى فهم كم باعوا… وكم كسبوا

أدهـى مـن الـجهل علم يطمئن إلى

أنـصاف ناس طغوا بالعلم واغتصبوا

قـالوا: هـم الـبشر الأرقى وما أكلوا

شـيئاً.. كـما أكلوا الإنسان أو شربوا

مـاذا جـرى… يـا أبا تمام تسألني؟

عفواً سأروي.. ولا تسأل.. وما السبب

يـدمي الـسؤال حـياءً حـين نـسأله

كـيف احتفت بالعدى (حيفا) أو النقب)

مـن ذا يـلبي؟ أمـا إصـرار معتصم؟

كلا وأخزى من (الأفشين) مـا صلبوا

الـيوم عـادت عـلوج (الروم) فاتحة

ومـوطنُ الـعَرَبِ الـمسلوب والسلب…

الى نهاية القصيدة،وقد نالت القصيدة إستحسان الشعراء والأدباء وأخذت المركز الأول ،ولمع نجم البردوني وقتها،وعرف الجميع عظم هذا الشخص الذي يقف امامهم .وقد اشتهر البردوني_ إلى جانب ما قيل سابقا _بروح الدعابة والمزاح ،ومما يذكر أنه عندما أنتهى الأديب البردوني من قراءة بائيته ( أبو تمام وعروبة اليوم) تقدم إليه نزار قباني واحتضنه وعرفه بنفسه : أنا نزار.

فرد البردوني ببديهية قل نزار- بفتح النون- ولا تقل نزار بكسرها فإنها تعني الشيء القليل فكان هذا اللقاء عربون صداقة بين نزار والبردوني. وهناك الكثير من المواقف الطريفة ومما يذكر أن في نهاية السبعينات جاء أحد الشعراء، إلى منزل البردوني زائرا، وفي أثناء الحديث أراد الشاعر أن يلفت انتباه البردوني فقال: لقد أتجهت أخيرا وعن قناعة إلى كتابه الشعر الحديث!!

واسمعه بعض المقاطع وكان منها مقطع يقول ( الشمس تقبل وجنة حبيبتي)!

فقال له البردوني: ياعزيزي ليس في ما أسمعتني أي جديد.

فقال الشاعر: ( الشمس تقبل وجنة حبيبتي) هذه صورة فنية حداثية إبداعية!!

فرد عليه البردوني: ليس في هذا أي جديد، فالشمس تقبل حتى وجنة الكلب!.وفي إحدى المرات كان البردوني في حلقة نقاش على الطائرة فتعجب من اللجهة التي يتحدث بها المثقفون والتي هي مزيج من الفصحي والعامية فعلق عليها بالقول إنها تمثل نوعا من الفصعمي!

وفي مطلع الثمانينات في أحد فعاليات المهرجان الثقافي اليمني بالسعودية اختير البردوني مقدما لصباحية شعرية شارك فيها عدد من الشعراء اليمنيين، وقد تصدر الصباحية شاعر ودبلوماسي وكان داكن البشرة، وبعد أن أتم قراءة قصائده، جاء الدور على الشاعر عبد الكريم الرازحي الذي بدأ قصيدته قائلا:

أيها الأسود الخبيث

أيها الأسود القذر!

فعلق البردوني: مش هكذا يا رازحي وجها لوجه!

فضجت القاعة بالضحك والتصفيق وأول الضاحكين كان الدبلوماسي الشاعر الذي كان يعرف أن الرازحي يقصد بالأسود- النفط- وليس ما قصده البردوني!

وفي إحدى المرات وبعد نقاش مستفيض دار في منزل البردوني حول هشاشة التعليم الجامعي في بلادنا وأن كثيرا من خريجي الدراسات العليا تنقصهم القراءة السليمة، وعلى رغم هذا فإنهم يظهرون بهندام الأناقة التي لا تنسجم مع جوهرهم.. فض البردوني النقاش بحكاية حصلت في ذمار تقول:

أن امرأة قطعت مسافة طويلة من قرية إلى قرية تبحث عن قارئ يقرأ لها مكتوبا من ولدها في المهجر، فلمحت رجلا ملتحفا بشال أخضر اللون ويضع على عينية نظارة، فاستوقفته طالبة منه أن يقرأ لها الرسالة فأخذ الرسالة يقلبها في يده ويحملق في سطورها ويتلعثم بكلامه فقالت له المرأة: إقرا سوا وعاد على عيونك نظارة وملتحف بشال!

فقال لها الرجال: كان إلبسيها وأقرئي!

سنكتفي بذلك القدر من الدعابة في حياة شاعرنا الفذ .وبرغم تلك الفكاهه الا أن الحزن كان مخيما على حياته ،فبرغم حرمانه من البصر ،وتعرضه للظلم في حياته ،فقد توفيت زوجتة والتي أحبها حبا جما ،ليعيش حرمان من نوع آخر ؛حرمان السكن والسكينة ،الحب والعاطفة ،السند والدعم،وقد تغنى بها في الكثير من قصائده .

…………..

أحجار مرصوفة، وشاهد قبر في مقبرة “خزيمة”، ذلك كل ما منحته مدينة صنعاء لشاعرها عبد الله البردوني، لكن البردوني، وهو ينام في هذه الجبّانة المنهَكة التي قدم إليها ، لم ينس أن يكتب على شاهد قبره أبياتا من شعره، يعلن فيها استعلاءه على أشكال التدجين والاحتواء.ليكون بذلك شاعرا متمردا على الظلم حيا ،و ميتا .

في الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الاثنين 30 أغسطس 1999م وفي آخر سفراته إلى الأردن للعلاج توقف قلب شاعرنا الغالي عن النبض بعد أن خلد اسمه كواحد من شعراء العربية في القرن العشرين.

رحمة الله تغشاك شاعرنا الكبير ..ولك منا ألف تحية وسلام . ….

دمتم في رعاية الرحمن …منال البرعي .

Previous post
نفحات صباحية
Next post
القمر الدموي أقوى ظاهرة فلكية في القرن الواحد والعشرين