منوعات

قصة اكتشاف القهوة في اليمن وإثيوبيا الحقيقية: رحلة الذهب الأسود من الأسطورة إلى الفنجان

قصة اكتشاف القهوة في اليمن وإثيوبيا الحقيقية: رحلة الذهب الأسود من الأسطورة إلى الفنجان

القهوة أكثر من مجرد مشروب صباحي؛ إنها تاريخ يمتد لقرون، وصراعات تجارية، وثقافات شعوب متعددة. لكن، أين بدأت الحكاية فعلياً؟ تأخذنا قصة اكتشاف القهوة في اليمن وإثيوبيا الحقيقية في رحلة عبر الزمن، تبدأ من غابات الهضبة الأفريقية وتستقر في الجبال الوعرة لشبه الجزيرة العربية.

إثيوبيا: الموطن الأصلي وأسطورة الراعي "كالدي"

تتفق معظم الدراسات الحديثة على أن موطن شجرة البن (Arabica) الأصلي هو إثيوبيا، وتحديداً منطقة "كافا".
وتحكي الأسطورة الشهيرة عن راعٍ إثيوبي يُدعى "كالدي" في القرن التاسع الميلادي، الذي لاحظ نشاطاً غير معتاد على أغنامه بعد تناولها ثماراً حمراء من شجيرات برية. نقل كالدي هذه الثمار إلى أحد الرهبان، الذي ألقاها في النار خوفاً منها، ليفوح عطر التحميص الأول في التاريخ، ومن هنا ولدت فكرة استخلاص المشروب.

اليمن: عبقرية التحويل والانتشار العالمي

إذا كانت إثيوبيا هي "المنشأ"، فإن اليمن هو "المصنع" الذي قدم القهوة للعالم بالشكل الذي نعرفه اليوم. في القرن الخامس عشر، انتقلت بذور البن عبر البحر الأحمر إلى اليمن لتتحول من مجرد "ثمرة" إلى "صناعة".

  • الدور الصوفي: اعتمد المتصوفة في اليمن، وعلى رأسهم الشيخ علي بن عمر الشاذلي، القهوة كمشروب رسمي لمساعدتهم على السهر والتركيز أثناء الأوراد العبادية.
  • ميناء المخا (Mocha): احتكر اليمن تجارة البن لقرون عبر هذا الميناء الشهير، ومنه اشتق اسم "موكا" الذي يزين قوائم المقاهي العالمية حتى اليوم.

سر تسمية القهوة العربية بـ "Arabica"

رغم أن أصل الشجرة إثيوبي، إلا أن العالم يطلق عليها اسم "كوفي أرابيكا" (Coffee Arabica). تعود هذه التسمية للطبيب السويدي "كارل لينيوس" في القرن الثامن عشر، الذي سماها هكذا لأن العرب في اليمن كانوا أول من زرعوها بشكل تجاري واسع وقاموا بتصديرها للعالم، مما جعل العالم يربط جودة البن بالجزيرة العربية.

الفرق بين القهوة الإثيوبية واليمنية في المذاق

  1. القهوة الإثيوبية: تتميز بنكهات فواكه وحمضية واضحة، مع نوتات زهرية، نتيجة نموها في غابات مرتفعة وظليلة.
  2. القهوة اليمنية: تتصف بنكهات ترابية وشوكولاتية عميقة مع توابل، بسبب زراعتها في مدرجات جبلية تحت شمس مباشرة ومعالجة تقليدية فريدة.

الأب الشرعي للبن العالمي: سلالات تبيكا وبوربون

توضح قصة القهوة الحقيقية أن جميع أشجار القهوة تقريباً تنحدر من سلالتين يمنيتين أصيلتين هما "تبيكا" (Typica) و"بوربون" (Bourbon). هذه السلالات نقلها الرحالة والهولنديون سراً من اليمن لزراعتها في مستعمراتهم حول العالم.

حقائق موثقة: الجدول الزمني لرحلة البن

  • القرن 9 م: اكتشاف الثمار الحمراء في إثيوبيا (مرحلة الغذاء البدائي).
  • القرن 15 م: أول توثيق لتحميص وغلي البن في اليمن (مرحلة المشروب).
  • عام 1554 م: افتتاح أول مقهى في القسطنطينية باستخدام البن اليمني.
  • القرن 17 م: وصول أول شحنة قهوة إلى أوروبا عبر ميناء البندقية.

القهوة المختصة في 2026: العودة إلى الجذور

في عام 2026، يشهد سوق القهوة العالمي توجهاً متزايداً نحو "القهوة المختصة". وقد عادت الأنظار إلى اليمن وإثيوبيا ليس فقط كمنتجين تاريخيين، بل كمصدر لأندر وأغلى أنواع البن. فالبن اليمني "الجعدي" والبن الإثيوبي "يرغاشيفي" يتصدران المزادات العالمية بأسعار خيالية، نظراً لنكهاتهما المعقدة التي لا يمكن محاكاتها.

الخاتمة

إن قصة اكتشاف القهوة في اليمن وإثيوبيا الحقيقية هي قصة تعاون غير مقصود بين ضفتي البحر الأحمر؛ إثيوبيا قدمت النبات كموهبة طبيعية، واليمن قدم المشروب كابتكار بشري مذهل غير مجرى التاريخ. واليوم، نحن لا نشرب مجرد كافيين، بل نشرب عصارة 1200 عام من التاريخ.

اقراء ايضا: شجرة البن الذهب الاسمر