اخبار عربية

الاجتماعات السنوية المشتركة للهيئات المالية العربية

معالي الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله الحميدي

المدير العام رئيس مجلس إدارة صندوق النقد العربي

يلقي كلمة في الاجتماعات السنوية المشتركة للهيئات المالية العربية

10 أبريل (نيسان) 2018

البحر الميت المملكة الأردنية الهاشمية

افتتحت صباح اليوم الثلاثاء الموافق 10 أبريل 2018 الاجتماعات السنوية المشتركة للهيئات المالية العربية في المملكة الأردنية الهاشمية تحت رعاية جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين المعظم حفظه الله. تكرم بافتتاح الاجتماعات معالي الدكتور جعفر حسان نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدولة للشؤون الاقتصادية نيابة عن دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور هاني الملقي ممثل راعي الاجتماعات، بحضور معالي الدكتور محمد سعيد السعدي، وزير التخطيط والتعاون الدولي بالجمهورية اليمنية، رئيس الجلسة المشتركة لاجتماعات الهيئات المالية العربية، وحضور أصحاب المعالي والسعادة محافظي ونواب محافظي الهيئات المالية العربية وأصحاب المعالي والسعادة رؤساء مجالس إدارة هذه الهيئات التي تضم الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، والمصرف العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا، وصندوق النقد العربي، والهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي.

في هذه المناسبة تقدم معالي الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله الحميدي المدير العام رئيس مجلس إدارة صندوق النقد العربي بكلمة في الجلسة المشتركة، أعرب في بدايتها عن الامتنان للمملكة الأردنية الهاشمية ملكاً وحكومة وشعباً على احتضان الاجتماعات وكرم الضيافة. كما أشار فيها إلى تحديات التطورات الاقتصادية العالمية على الاقتصادات العربية التي تتمثل في استمرار تباطؤ التجارة الدولية، وبقاء أسعار النفط عند مستويات منخفضة نسبياً، وتأثر تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى الدول النامية وانعكاس ذلك على مستويات الاستثمار الأجنبي المباشر وفرص التمويل الخارجي. كذلك من هذه العوامل، تواصل عودة المسارات التقليدية للسياسة النقدية الأمريكية، لما لذلك من آثار على أسعار الفائدة في الدول العربية التي تتبنى نظم ثابتة لأسعار الصرف من جهة وعلى تكلفة التمويل الخارجي من جهة أخرى.

الاجتماعات السنوية المشتركة للهيئات المالية العربية
يلقي كلمة في الاجتماعات السنوية المشتركة للهيئات المالية العربية

كما نوهّ معاليه أن الاقتصادات العربية لا زالت تواجه تحديات لتقليص حدة البطالة وإرساء النمو الشامل والمستدام، حيث يُقدر انضمام أكثر من 52 مليون من الشباب إلى سوق العمل في الدول العربية خلال السنوات الخمس القادمة. يستلزم ذلك رفع معدلات النمو إلى نحو 5 إلى 6 في المائة سنوياً، كي تتمكن أسواق العمل العربية من استيعاب العمالة الجديدة وتحقيق خفض نسبي لمعدلات البطالة، خاصة لدى الشباب وحاملي الشهادات الجامعية، حيث يمثل ذلك تحديات تواجه السياسات الاقتصادية والمالية.

أشاد معاليه في هذا السياق، بالحراك الكبير الذي شهدته إصلاحات المالية العامة في الدول العربية، بدءً بمنظومة الدعم وترشيد الانفاق وتطوير استراتيجيات الدين العام، ووصولاً للإصلاح الضريبي وتعزيز مشاركة القطاع الخاص وتحسين إدارة الاستثمارات العامة.

كما نوه معاليه بأهمية مواصلة جهود دعم الوصول للخدمات المالية وتعزيز الشمول المالي كوسيلة لمواجهة تحديات البطالة، حيث بيّن أن مواضيع الشمول المالي وتطوير أسواق المال المحلية تحظى بأولوية كبيرة في إطار استراتيجية الصندوق. تأتي المبادرة الإقليمية لتعزيز الشمول المالي في الدول العربية التي تم إطلاقها في شهر سبتمبر الماضي بالتعاون مع الوكالة الألمانية للتنمية والتحالف العالمي للشمول المالي ومجموعة البنك الدولي، لتمثل لبنة جديدة في أنشطة الصندوق في هذا الشأن، حيث تقوم المبادرة على عدد من الانشطة أهمها: تقديم المشورة الفنية لمساعدة السلطات العربية في تبني الاستراتيجيات الوطنية للشمول المالي، وتطوير منظومة الخدمات المالية الرقمية في الدول العربية، وإطلاق أنشطة لدعم وصول المشروعات الصغيرة والمتوسطة للتمويل والخدمات المالية. كما تهدف إلى العمل على تعزيز التوعية والتثقيف المالي بدولنا العربية، وتحسين فرص وصول المرأة والشباب للخدمات المالية، من خلال تبادل الخبرات والتجارب.

كذلك قدم معاليه في كلمته بصفة موجزة عرض لأهم ملامح أنشطة الصندوق في الشهور الماضية، إذ حرص الصندوق على تحسين كفاءة استجابته لاحتياجات دوله الأعضاء من الدعم المالي والمشورة الفنية. كذلك شهدت برامج التدريب وبناء القدرات، توسعاً من حيث العدد والقضايا والموضوعات التي تناولتها. إضافة إلى ذلك، شهدت أنشطة وأعمال اللجان وفرق العمل المنبثقة عن مجلس محافظي المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربية، تطوراً وتوسعاً عزز من دور المجلس في التنسيق وتبادل التجارب والخبرات بين الدول العربية في موضوعات هامة مثل الشمول المالي والرقابة المصرفية والاستقرار المالي والبنية التحتية المالية والمعلومات الائتمانية. كما أشار معاليه إلى أن الصندوق نظم خلال العام الماضي العديد من الفعاليات والمؤتمرات لكبار المسؤولين، تناولت موضوعات ذات أولوية لاقتصادات دولنا العربي، عززت من دور الصندوق كمركز للتلاقي والتشاور بين صانعي السياسات. كما ختم أن الصندوق، واصل اهتمامه بتعزيز التعاون مع المؤسسات المالية الإقليمية والدولية والتجمعات والهيئات الاقتصادية والبنوك المركزية ووكالات التنمية العالمية، التي تؤطر لتعاون مشترك يخدم احتياجات وأولويات اقتصاديات الدول العربية.

في هذا السياق، تطرق معاليه أيضاً إلى أن صندوق النقد العربي يعمل على وضع رؤية بعيدة المدى 2040، تعزز من تواصله مع دوله الأعضاء.

أخيراً، توجه معاليه بالشكر والعرفان إلى دولة الإمارات العربية المتحدة دولة مقر كل من الصندوق وبرنامج تمويل التجارة العربية على توفيرها لكافة التسهيلات التي تساعد كل من الصندوق والبرنامج على تحقيق الأغراض المرجوة منهما.

فيما يلي النص الكامل للكلمة:

(نص الكلمة)

معالي الدكتور جعفر حسان نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدولة للشؤون الاقتصادية نيابة عن دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور هاني الملقي ممثل راعي الاجتماعات،

معالي محمد سعيد السعدي وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية في الجمهورية اليمنية، رئيس الجلسة المشتركة،

أصحاب المعالي والسعادة،

حضرات السيدات والسادة،

يسعدني في مستهل كلمتي بمناسبة انعقاد الاجتماعات السنوية المشتركة للهيئات المالية العربية، أن أعرب عن خالص التقدير والامتنان لبلدنا العزيز المملكة الأردنية الهاشمية ملكاً وحكومةً وشعباً على احتضان هذه الاجتماعات الهامة، وعلى حسن الاستقبال وكرم الضيافة وتقديم كافّة التسهيلات لنجاحها، متمنياً لهذا البلد المضياف كل التقدم والازدهار. لقد شرفنا جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين المعظم حفظه الله برعايته الكريمة للاجتماع، بما يعكس ما توليه المملكة الأردنية الهاشمية من اهتمام وحرص على دعم العمل العربي المشترك. كما أتوجه بالشكر والامتنان لمعالي الدكتور جعفر حسان نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدولة للشؤون الاقتصادية على تكرمه بافتتاح اجتماعاتنا، نيابة عن دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور هاني الملقي ممثل راعي الاجتماعات. كما لا يفوتني أن أتقدم بجزيل الشكر لمعالي الدكتور زياد فريز محافظ البنك المركزي الأردني وزملائه على حسن الإعداد والتنظيم الجيد لهذه الاجتماعات وعلى تهيئة كافة الظروف المناسبة لنجاحها.

كما أود كذلك أن أشكر زملائي رؤساء المؤسسات المالية العربية المجتمعة اليوم، على حسن تعاونهم ومساهماتهم في الترتيب والإعداد الجيد للاجتماعات.

أصحاب المعالي والسعادة،

حضرات الأخوات والأخوة،

تمثل الاجتماعات السنوية للمؤسسات المالية العربية المشتركة على الدوام، مناسبة طيبة وفرصة هامة للتشاور بين وزراء المالية والاقتصاد والتخطيط ومحافظي المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربية ورؤساء المؤسسات المالية العربية، حول كيفية تطوير أداء العمل الاقتصادي والمالي العربي المشترك، على ضوء المستجدات التي تشهدها المنطقة العربية وما تواجهه الاقتصادات العربية من تحديات.

ولا يخفى عليكم أن التطورات الاقتصادية الإقليمية والدولية تستدعي استمرار العمل على الارتقاء بالتعاون الاقتصادي العربي إلى المستوى الذي يتناسب مع التطلعات ومع طبيعة المرحلة التي تمر بها اقتصادات دولنا العربية.

أصحاب المعالي والسعادة،

حضرات الأخوات والأخوة،

على الرغم من التعافي الذي شهده الاقتصاد العالمي خلال عام 2017، والذي شمل ثلثي دول العالم، حيث بلغ معدل النمو الحقيقي العالمي خلال عام 2017 نسبة 3.7 في المائة طبقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، في ظل توقعات بتسجيل معدلات نمو للاقتصاد العالمي خلال عامي 2018 و2019 بنحو 3.9 في المائة بالأسعار الثابتة، إلا أنه لايزال هناك بعض المخاطر تحيط بالاقتصاد العالمي قد تؤدي إلى التراجع في معدلات النمو، تتعلق باستمرار تباطؤ التجارة الدولية ومخاطر تصحيح أسعار الأصول المالية في الأسواق الدولية وارتفاع مرتقب لأسعار الفائدة على الدولار خلال عام 2018.

تعتمد أولويات إنعاش النشاط الاقتصادي العالمي، على قدرة الاقتصادات المتقدمة والناشئة والنامية على تبني سياسات هادفة إلى تقوية الطلب الكلي والارتقاء بمستويات الإنتاجية، يتم تنفيذها بالتزامن مع عدد من سياسات الإصلاح الهيكلي وإصلاحات تحرير التجارة بما يعطي دفعة للنمو الاقتصادي العالمي، إضافة إلى أهمية التركيز على السياسات الكفيلة بتحفيز مستويات الطلب في الأجل القصير ودعم مستويات العرض في الأجل الطويل. لعل من أهم هذه السياسات، العمل على تعزيز الاستثمارات الخاصة في مجال دعم البنية الأساسية المالية والإصلاحات الهيكلية، لا سيما تلك الهادفة إلى تعزيز الحيز المالي ودعم النمو متوسط المدى.

أيضاً يبرز في هذا الإطار، أهمية احتواء مسارات الدين العام وضمان تحركه في مستويات قابلة للاستدامة، حيث بات يتجاوز الدين العام العالمي أكثر من 80 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

لا يخفى عليكم انعكاس التطورات الاقتصادية العالمية على اقتصادات دولنا العربية، في الوقت الذي تواجه جهود ومساعي استعادة مسار التنمية والارتقاء بمعدلات النمو الشامل والمستدام في الدول العربية، تحديات كبيرة. لعل من أهم العوامل المؤثرة على النشاط الاقتصادي للدول العربية، استمرار تباطؤ التجارة الدولية، وبقاء أسعار النفط عند مستويات منخفضة نسبياً، وتأثر تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى الدول النامية وانعكاس ذلك على مستويات الاستثمار الأجنبي المباشر وفرص التمويل الخارجي. كذلك من هذه العوامل، تواصل عودة المسارات التقليدية للسياسة النقدية الأمريكية، لما لذلك من آثار على أسعار الفائدة في الدول العربية التي تتبنى نظم ثابتة لأسعار الصرف من جهة وعلى تكلفة التمويل الخارجي من جهة أخرى. كما لا يمكن إغفال الضغوطات التي عرفتها بعض العملات العربية في ظل عدم التعافي الكامل للقطاعات المولدة للنقد الأجنبي.

أصحاب المعالي والسعادة،

حضرات الأخوات والأخوة،

بالرغم من بوادر تعافي الاقتصاد العالمي، إلا إن الاقتصادات العربية لا زالت تواجه تحديات لتقليص حدة البطالة وإرساء النمو الشامل والمستدام، حيث يُقدر انضمام أكثر من 52 مليون من الشباب إلى سوق العمل في الدول العربية خلال السنوات الخمس القادمة. يستلزم ذلك كما تعلمون، رفع معدلات النمو إلى نحو 5 إلى 6 في المائة سنوياً، كي تتمكن أسواق العمل العربية من استيعاب العمالة الجديدة وتحقيق خفض نسبي لمعدلات البطالة، خاصة لدى الشباب وحاملي الشهادات الجامعية، حيث يرتفع معدل بطالة الشباب في الدول العربية إلى ما يمثل نحو أكثر من ضعفي معدل بطالة الشباب على مستوى العالم، أي نحو 29.1 في المائة في الدول العربية مقابل 12.4 في المائة على مستوى العالم خلال عام 2017.

في ذات السياق، تشير احصاءات صندوق النقد العربي إلى أن الاقتصادات العربية حققت معدل نمو بلغ نحو 1.3 في المائة عن عام 2017، مع التوقع بمعدل نمو يبلغ 2.2 في المائة خلال العام الجاري 2018 و2.9 في المائة لعام 2019، ذلك انعكاساً للتوقعات بتحسن القطاع النفطي، وتواصل الآثار الإيجابية للإصلاحات الاقتصادية في الدول العربية، سواء المُصدرة للنفط أو المستوردة له.

كما تعلمون، هذا النسق للنمو يبقى دون المستوى المرجو الذي يمكن دولنا العربية من تحقيق تقدم على صعيد خفض ملموس لمعدلات الفقر والبطالة وتحسين مستوى المعيشة، في الوقت الذي تواجه فيه السياسات المالية تحديات كبيرة لضبط أوضاع المالية العامة، حيث تجاوز عجز الموازنات العامة لمجموع الدول العربية نسبة عشرة في المائة في المتوسط من الناتج المحلي الإجمالي خلال عامي 2015 و2016. ويُتوقع على ضوء الوتيرة المكثفة للإصلاحات المالية تراجع تلك النسبة إلى حوالي 6.4 في المائة عام 2017. واستمراراً لهذه الجهود، يتوقع أن يستمر العجز في الانخفاض خلال عامي 2018 و2019، ليصل إلى نحو 5.6 في المائة حسب التقديرات الأولية لصندوق النقد العربي، الأمر الذي يعكس إقدَام السلطات في الدول العربية على اتخاذ الخطوات والاجراءات اللازمة للتعامل مع هذه التطورات والتحديات. وليس خافياً عليكم، الحراك الكبير الذي شهدته إصلاحات المالية العامة في دولنا العربية، بدءً بمنظومة الدعم وترشيد الانفاق وتطوير استراتيجيات الدين العام، ووصولاً للإصلاح الضريبي وتعزيز مشاركة القطاع الخاص وتحسين إدارة الاستثمارات العامة.

أصحاب المعالي والسعادة،

حضرات الأخوات والأخوة،

تهدف الجهود المبذولة لزيادة كفاءة منظومة الدعم، إلى تعزيز الموارد العامة لخفض عجز الموازنات ومقابلة الانفاق الحكومي المتزايد وتحسين أوضاع المالية العامة. فعلى الرغم من اتساع نطاق السلع والخدمات التي يشملها الدعم الحكومي خلال العقد الأخير وتسارع نمو حجمه، على خلفية ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وانخفاض الدخول الحقيقية، إلا أن هذا الارتفاع المضطرد في الدعم الذي تقدمه الحكومات ضاعف من التحديات التي تواجه السياسات المالية، وأبرز أهمية إصلاح منظومة الدعم وتطوير شبكات الضمان والحماية الاجتماعية لوصول الدعم لمستحقيه.

أثبتت الدراسات والتجارب، أن الاستمرار في سياسات دعم السلع والخدمات على المدى الطويل ينتج عنه مجموعة من التداعيات تتمثل أساساً في تشجيع زيادة استهلاك السلع والخدمات التي يشملها الدعم، وتسريع وتيرة نمو النفقات العامة، وتباطؤ نمو الموارد العامة، إضافة إلى التشوهات السعرية، وتشجيع تهريب السلع عبر الحدود وعدم وصول الدعم لمستحقيه. علاوة على ما تقدم وفي ضوء التحديات المالية التي تواجهها الاقتصادات العربية، أصبح من الصعب الاستمرار في تمويل الكلفة المرتفعة لبرامج الدعم الذي أصبح يزاحم تمويل الاستثمار العام خصوصاً في مجالات الرعاية الصحية، والتعليم، والنقل والبنية التحتية، فضلاً عن آثاره على كفاءة توزيع الموارد الاقتصادية.

وبالفعل حرصت السلطات في الدول العربية على اتخاذ إصلاحات هيكلية خلال السنوات الماضية بهدف إصلاح منظومة الدعم خاصة دعم الطاقة، حيث انخفضت القيمة الإجمالية لفاتورة دعم الطاقة لمجموع الدول العربية، وفقاً للدراسة التي أعدها صندوق النقد العربي، من 117 مليار دولار في عام 2015 إلى حوالي 98 مليار دولار عن عام 2017.

كما تعلمون، تواجه دولنا العربية بعض التحديات التي تتعلق بدعم فرص الوصول للتمويل والخدمات المالية، وتطوير أسواق المال المحلية، وتعزيز الاندماج المالي الإقليمي. ذلك أن تعزيز فرص الوصول للتمويل والخدمات المالية لمختلف القطاعات الاقتصادية والمناطق الجغرافية وفئات المجتمع، وتحديداً للمشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وتسريع إتاحة التمويل للمشروعات الناشئة، سيساهم في إطلاق طاقات كامنة كبيرة وخلق فرص عمل متزايدة، بما ينعكس إيجاباً على مساعي مواجهة البطالة ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة والشاملة.

كذلك، فإن تطوير أسواق التمويل المحلية، وتحديداً أسواق السندات والصكوك وتعزيز دورها في تمويل البنية التحتية، سيساعد على توفير موارد مالية تساهم في تمويل العديد من المشروعات التي تحتاجها اقتصاداتنا العربية، في ظل تضاؤل مصادر التمويل التقليدية. تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنه في السنوات العشر الماضية، كان هناك فقط خمسة إصدارات من سندات وصكوك المشروعات بقيمة إجمالية بلغت 6.2 مليار دولار، كانت معظمها لمشروعات في قطاع الطاقة.

أصحاب المعالي والسعادة،

حضرات الأخوات والأخوة،

تجدر الإشارة إلى أن نصف السكان المنطقة العربية دون سن الخامسة والعشرون، وهو ما يمثل فرصة عظيمة إذا ما أُحسِنَ استغلالها، إلا أنه مع الزيادة في أعداد الشباب من الجنسين، وارتفاع متوسطات الأعمار المتوقعة، أصبح لزاماً التوجه نحو رفع كفاءة إدارة الانفاق العام لتوجيه المزيد من الرعاية لرفع كفاءة الخدمات الاجتماعية وتحديداً التعليم والصحة ونظم المعاشات. وهو ما سيؤدي بدوره إلى تخفيف العبء على الموازنات العامة للدول العربية من خلال زيادة فاعلية وكفاءة المصروفات العامة في تحقيق النتائج المرجوة من الخدمات الاجتماعية، بتوجيه رشيد للموارد المالية، أو تحقيق نتائج أفضل للإنفاق على الانشطة الاجتماعية بنفس التكلفة المُوجهة، أي الاستخدام الأمثل للمصادر التمويلية المحدودة نسبياً والمتاحة للإنفاق على الخدمات العامة.

في سياق متصل، يساهم تعزيز مبادرات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، في رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، وتوفير فرص إضافية لتمويل مشروعات البنية التحتية، ورفع كفاءة الإنفاق العام في إدارة المشروعات الاستثمارية إلى جانب خلق المزيد من فرص العمل، وهو أمر بالغ الأهمية لمجتمعاتنا العربية الشابة. وليس خافياً أنه على الرغم من الحاجة الكبيرة لمشروعات البينة التحتية والاستثمارات المطلوبة في هذا الشأن في الدول العربية، فإن عدد مشروعات الشراكات بين القطاعين العام والخاص في الدول العربية لا يزال محدوداً. إذ لا يتجاوز عدد المشروعات القائمة على هذه الشراكات في الدول العربية وفقاً لبيانات البنك الدولي، مشروعين فقط لكل عشرة ملايين نسمة في المنطقة العربية، مقابل حوالي 34 مشروعاً لكل عشرة ملايين نسمة في منطقة شرق آسيا والمحيط الهادي و22 مشروعاً لكل عشرة ملايين نسمة في منطقة أمريكا اللاتينية على سبيل المثال.

أصحاب المعالي والسعادة،

حضرات الأخوات والأخوة،

إدراكاً لأهمية التطورات والتحديات المشار إليها وانطلاقاً من حرص صندوق النقد العربي على تقديم كافة أشكال الدعم للدول العربية، عمل الصندوق في إطار استراتيجيته للسنوات 2015-2020 على الأخذ بالاعتبار التغيرات في الاحتياجات الراهنة والمستقبلية والأولويات الاقتصادية للدول العربية. تهدف الاستراتيجية إلى تطوير برامج وآليات عمل الصندوق، وتوجيه جهوده المرحلية لترجمة رؤيته المتجددة لكيفية وفائه بالأغراض التي أنشئ من أجلها، متبنيّاً رؤية “أن يكون الصندوق مؤسسة ماليّة عربيّة رائدة في مجال دعم الإصلاحات الاقتصادية والمالية والنقدية للوصول لمراكز الاستقرار في المنطقة العربيّة”.

ومع انقضاء ثلاث سنوات من إطار الاستراتيجيّة الخمسيّة 2015-2020، رأى الصندوق أهمية بلورة رؤيته لأفق بعيد المدى 2040، لتوجيه مسار التخطيط الاستراتيّجي عامةً والبدء في وضع ملامح الاستراتيجيّة الخمسيّة التالية (2020-2025). أخذاً بعين الاعتبار تباين الأوضاع الاقتصادية للدول الأعضاء، والمسار التنموي المتوقع لكل دولة على حده خلال العقدين القادمين، يحتاج الصندوق إلى تعزيز دوره المرتبط بدعم الإصلاحات الاقتصادية والمالية في دوله الأعضاء لتحقيق الأهداف التقليدية المتمثلة في تعزيز الاستقرار الاقتصادي ودفع وتيرة النمو الشامل والمستدام، إلى جانب تعزيز أسس ومقومات اقتصادات المعرفة وتمكين دوله الأعضاء من الاستفادة من مزايا الثورة التقنيّة. يتطلب ذلك أن يكون الصندوق أكثر قرباً من دوله الأعضاء للتعرف على أولوياتها واحتياجاتها ومتطلباتها التنموية، وأن تكون خدماته بناءً على ذلك، بقدر من التنوع والمرونة بما يناسب هذه الاحتياجات والاولويات. عليه سيكون التحوّل المرتقب في الرؤية تطويراً للرؤية السابقة، ليكون الصندوق “الشريك الأقرب للدول العربيّة في تفاعلها مع التطورات لتعزيز مسيرة الاستقرار والتطوير الاقتصادي والمالي والنقدي”.

تتكون ملامح الاستراتيجيّة الخمسيّة المقبلة 2020-2025 من الأهداف التي تم اقتراحها استناداً إلى اتفاقية إنشاء صندوق النقد العربي، التي حدّدت أغراضه والوسائل المتاحة لتحقيقها. إضافة إلى الاستفادة من الخبرة المكتسبة في إعداد وتنفيذ إطار الاستراتيجيّة الخمسيّة 2015-2020 والاعتماد على رؤية الصندوق 2040 الأخذ بالاعتبار أولويات احتياجات الدول العربيّة التي دلّت عليها مؤشرات توجهات الاقتصادات العربيّة والعالمية.

أصحاب المعالي والسعادة،

حضرات الأخوات والأخوة،

واصل الصندوق مساعيه في إطار مبادرة “عربستات”، حث الهياكل الإحصائية على تطبيق الادلة والمنهجيات الدولية وتوفير البيانات الموثوقة والشاملة واتاحتها بالصفة الكافية الى كل المستفيدين وتوسيع قاعدة المؤشرات ونشرها في الوقت المناسب. فقد واصل الصندوق تنظيم الاجتماع السنوي للمبادرة بمشاركة كبار المسؤولين من الهياكل الاحصائية ومن أغلب المؤسسات الاقليمية والدولية المعنية. كما عمل الصندوق في إطار هذه المبادرة، على اعداد الاستبيانات ومتابعتها وتحليلها للوقوف على احتياجات الهياكل الاحصائية وتبويبها والتنسيق بشأنها، وبرمجة أنشطة وبعثات المشورة الفنية للدول الأعضاء بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، اضافة لتنظيم الدورات التدريبية اللازمة استجابة لأهم تلك الاحتياجات.

أصحاب المعالي والسعادة،

حضرات الأخوات والأخوة،

تحظى مواضيع الشمول المالي وتطوير أسواق المال المحلية بأولوية كبيرة في إطار استراتيجية الصندوق. تأتي المبادرة الإقليمية لتعزيز الشمول المالي في الدول العربية التي تم إطلاقها في شهر سبتمبر الماضي بالتعاون مع الوكالة الألمانية للتنمية والتحالف العالمي للشمول المالي ومجموعة البنك الدولي، لتمثل لبنة جديدة في أنشطة الصندوق في هذا الشأن، حيث تقوم المبادرة على عدد من الانشطة أهمها: تقديم المشورة الفنية لمساعدة السلطات العربية في تبني الاستراتيجيات الوطنية للشمول المالي، وتطوير منظومة الخدمات المالية الرقمية في الدول العربية، وإطلاق أنشطة لدعم وصول المشروعات الصغيرة والمتوسطة للتمويل والخدمات المالية. كما تهدف إلى العمل على تعزيز التوعية والتثقيف المالي بدولنا العربية، وتحسين فرص وصول المرأة والشباب للخدمات المالية، من خلال تبادل الخبرات والتجارب.

كذلك يعمل الصندوق على الارتقاء بمبادرة تطوير أسواق السندات في الدول العربية، بالتعاون مع المؤسسات المالية الإقليمية والدولية، بما يساهم في توفير مزيد من الدعم لتطوير أسواق أدوات الدين في الدول العربية، ويعزز من دورها ومساهماتها في تمويل الاحتياجات المتزايدة من مشروعات البنية التحتية.

كما واصل الصندوق، اهتمامه بتعزيز التعاون مع المؤسسات المالية الإقليمية والدولية والتجمعات والهيئات الاقتصادية والبنوك المركزية ووكالات التنمية العالمية. فمن جانب، توسع الصندوق في الأنشطة المشتركة مع هذه المؤسسات والهيئات لخدمة احتياجات دولنا العربية، سواءً على صعيد تنظيم ورش عمل ومؤتمرات أو على صعيد إعداد تقارير ودراسات مشتركة. من جانب آخر عمل الصندوق على تعزيز مشاركة المؤسسات الإقليمية والدولية في أعمال مجلس وزراء المالية العرب ومجلس محافظي المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربية واللجان والفرق المنبثقة عنهما، من خلال تقديم أوراق عمل في اجتماعات المجالس واللجان بما يتيح الفرصة لنقل التجارب والخبرات حول القضايا والمواضيع المطروحة.

أود في هذا الصدد أن أشير إلى أن الصندوق يعمل على تعزيز تواصله وتفاعله مع جميع الاطر والهيئات والمؤسسات الاقتصادية والمالية والمصرفية والاحصائية والبحثية في جميع الدول الاعضاء، بما يخدم تطوير أنشطته وأعماله، استجابة لاحتياجات وأوليات الاقتصادات العربية. فإلى جانب سعي الصندوق إلى مشاركة جميع هذه الأطر والمؤسسات في الفعاليات والمؤتمرات التي ينظمها، فقد عملنا على إعداد وتوزيع العديد من الاستبيانات والاستمارات بغرض سبر الآراء وتحديد الأولويات والمتطلبات، لتوظيفها في تطوير أنشطة الصندوق.

أصحاب المعالي والسعادة،

حضرات الأخوات والأخوة،

تلك هي بعض الملامح لأنشطة الصندوق التي نعتزم التأكيد عليها وتطويرها في المرحلة القادمة، سعياً منا لتعزيز الدور الريادي والمرموق لهذه المؤسسة المالية العربية. ولا شك أن نجاح هذه المساعي، مرتبط بدعم وتشجيع المجلس الموقر لمحافظي الصندوق، متطلعاً في هذه المناسبة للاستماع إلى كل النصح والمشورة بما يُمكن الصندوق من تحقيق ما تصبو إليه دوله الأعضاء.

أصحاب المعالي والسعادة،

حضرات الأخوات والأخوة،

لم يتبق لي في هذه الكلمة إلا أن أتوجه بالشكر والعرفان إلى دولة الإمارات العربية المتحدة دولة مقر كل من الصندوق وبرنامج تمويل التجارة العربية على توفيرها لكافة التسهيلات التي تساعد على تحقيق كل من الصندوق والبرنامج للأهداف المرجوة منهما.

في الختام لا يسعني إلا أن أشكر مرة أخرى بلدنا العزيز المملكة الأردنية الهاشمية ملكاً وحكومةً وشعباً على استضافة الاجتماعات متمنياً لهذا البلد العزيز الكريم المضياف مزيداً من التقدم والازدهار، كما أتمنى لاجتماعاتنا كل التوفيق والنجاح.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

Previous post
مخاطر ضعف الحوكمة في المؤسسات المالية
Next post
دراسة “مراجعة معايير الاتحادات النقدية واستشراف تجربة الاتحاد النقدي